الغزالي

286

إحياء علوم الدين

والتحقيق فيه أن المصلى [ 1 ] مناج ربّه عزّ وجلّ كما ورد به الخبر ، والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة . وبيانه : أن الزكاة إن غفل الإنسان عنها مثلا فهي في نفسها مخالفة للشهوة شديدة على النفس وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى الذي هو آلة للشيطان عدو الله ، فلا يبعد أن يحصل منها مقصود مع الغفلة . وكذلك الحج أفعاله شاقة شديدة ، وفيه من المجاهدة ما يحصل به الإيلام ، كان القلب حاضرا مع أفعاله أو لم يكن أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود . فأما الذكر فإنه محاورة ومناجاة مع الله عز وجل ، فاما أن يكون المقصود منه كونه خطابا ومحاورة ، أو المقصود منه الحروف والأصوات امتحانا للسان بالعمل ، كما تمتحن المعدة والفرج بالإمساك في الصوم ، وكما يمتحن البدن بمشاق الحج ، ويمتحن القلب بمشقة إخراج الزكاة واقتطاع المال المعشوق . ولا شك أن هذا القسم باطل ، فان تحريك اللسان بالهذيان ما أخفّه على الغافل ، فليس فيه امتحان من حيث إنه عمل ، بل المقصود الحروف من حيث إنه نطق ، ولا يكون نطقا إلا إذا أعرب عما في الضمير ، ولا يكون معربا إلا بحضور القلب . فأي سؤال في قوله : * ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) * « 1 » إذا كان القلب غافلا ، وإذا لم يقصد كونه تضرعا ودعاء فأي مشقة في تحريك اللسان به مع الغفلة ، لا سيما بعد الاعتياد هذا حكم الأذكار بل أقول : لو حلف الإنسان وقال لأشكرن فلانا وأثنى عليه وأسأله حاجة ، ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في النوم ، لم يبر في يمينه ، ولو جرت على لسانه في ظلمة وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير بارا في يمينه ، إذ لا يكون كلامه خطابا ونطقا معه ما لم يكن هو حاضرا في قلبه ، فلو كانت تجرى هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر إلا أنه في بياض النهار غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب إليه عند نطقه ، لم يصر بارا في يمينه ، ولا شك في أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد والثناء والتضرع والدعاء ، والمخاطب هو الله عز وجل ، وقلبه بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده ، بل هو غافل عن المخاطب

--> « 1 » الفاتحة : 6